السبت، 27 مارس، 2010

لماذا يكرهنى أبى




منذ رؤيتى لعينى أبى فى لحظة ولادتى إقتنعت بأننى شخص غير مرغوب فيه , كان ذلك فى بدايات شهرى السادس , فقد وضعتنى والدتى مبكراً , دون حتى أن أُكمل الشهور التسعة وأيامها العشر كما تفعل أمهات رفيقاتى , وُلدت فى ستة شهور , لم أشأ أن أكون فى رحم والدتى , أردت أن أوفر عليها طاقة شهور ثلاث من تعبها , كانت بنيتها ضعيفة لذلك أراد الله أن يُريحها مما هى فيه , فجئت باكرة بأشهر ثلاث.
كان أبى يتمتع ببنية جسمانية مهولة , كان وزنه يتجاوز المئة وعشرون كيلو جرام , وكنت أنا بالكاد أُكمل كيلو جراماً واحداً .
كان أبى يُريد أن تمنحه والدتى ذكراً , ماذا يفعل بأُنثى ؟؟؟ يُريد أبى ولداً صالحاً يُساعده لا أنثى تحتاج للمساعدة فى كل حين .
عند صرختى الأولى فرحت والدتى والنسوة اللواتى كُن بجوارها , أذكر منهن خالتى الصغيرة , وجارتنا العزيزة , ونسيت أمر من حضر وقتها من غيرهن , كان يشغل بالى أن أرى والدى , أن يمنحنى أنفاسه أن يهبنى بعض بركته , ولكنه دخل غرفتنا متجهماً , حملنى بتقزز وكأنه يحمل عاراً , لماذا يا أبى ؟؟؟ أليس من حقى أن أرى فرحتك بى , أليس من الأجدر أن تُرحب بمقدمى كما يفعل كل أب صالح ؟؟؟ .
وضعنى أبى بسرعة , أو قُل قذفنى من يديه , ناحية والدتى التى كانت فى حالة صحية لا تسمح لها بالتحرك , فقد أوصتها من أخرجتنى أن لا تتحرك فى أيامها السبع الأولى , كنت أود الخروج معها لأُقابل أُناس آخرين , علنى أرى شخصاً يبتهج بوصولى , ولكنها لم تخرج حتى إسبوعها الثانى , وكأنها أنجبت عاراً , لم يكن بإرادتها ذلك , ولكنها تخاف من والدى , كان والدى بشاربه الطويل وصوته الجهور يُخيف كل من يعرفه , كانت أمى هى زوجته الثانية , لم يُنجب من زوجته الأولى .
طيلة عامين لم أشعر بأبى يُلاعبنى كما يفعل الآباء الآخرون , كان كلما يرانى أشعر به غاضباً وكأنى سأقتله .
بعد عامين أنجبت والدتى أخاً لى , كان ذلك بداية إحساسى بضياعى , بتضجرى من حياتى , رأيت أبى يفرح بمقدمه , يبتهج , تعم الأفراح لأيام فى دارنا ,رأيت أغراباً يأتون لتهنئتنا , من كل قريتنا بل ومن قرى أخرى مجاورة , كنت أنا منزوية فى دارنا , لا أحد يشعر بى , مع أننى أخته , وأنا من سبقته فى إستنشاق الأوكسجين , يا له من عالم ذكورى لا يرحم .
أكل المعزومون الوليمة التى جهزها والدى لهم , وتفرقوا , لا أذكر أن والدى قد أقام لى وليمة , إقتصرت دعوته على أخوانه فقط , وكأنها وجبه غداء عادية , وليست إحتفاء بمولود .
كنت عندما ألعب مع أخى الصغير أسمع والدى يصرخ فى وجهى , يأمرنى أن أبعد عنه , يقول لى كلمات نابية , كنت أجرى بعيداً لأظل فى حجر والدتى , أتغطى بما توفر لى , أدارى دموعى بعيداً عنه وعن والدتى , هل أنا خطيئة ؟؟؟
عندما كُنت أبكى كان أبى يضربنى , يطلب منى أن أتوقف , أتوقف تحت وقع ضرب أبى الشديد لى , عندما أضحك بصوت كان أيضاً يضربنى أبى , كان أخى يبكى فيقوم والدى بإرضاءه بشتى السبل , كان يذهب معه للبقالة التى بجانبنا فيشترى له بعض الحلوى , ولم يحدث أن إشترى لى شيئاً . حتى ملابسى كانت من بقايا ما يجود به الأهل على والدتى , ملابسى مستعملة حتى .
كان يضحك أخى فيضحك أبى من قلبه , كان أخى يلعب بظهر أبى , حتى لو كان نائماً , فيدخل السرور فى وجه أبى , حاولت أنا أن أقوم بذلك لمرة واحدة ولكنه صرخ فى وجهى كالعادة ولم أُكررها .
عندما صرت فى سنين الدراسة كقريناتى لم يذهب بى أبى للمدرسة , بل تركنى لأساعد والدتى , كانت بنت الجيران تذهب للمدرسة بمريلتها البيضاء , وتأتى بحقيبتها وراء ظهرها وأنا حبيسة لبيتنا , كنت أراها سعيدة , وأنا فى غاية بؤسى وشقائى .
دخل أخى الصغير المدرسة وبت إبنة الثمانية أعوام , دون أن أتعلم حرفاً لأكتب , ومرت السنوات ولم أرى من نعيم الدنيا شيئاً غير صبر والدتى ودموعها على حالتى .
سنوات مرت , وسنوات , لم يتغير كره والدى لى , أعيش فى بيتنا كغريبة , بل الغرباء يكون أبى لطيفاً معهم أكثر من لطفه معى , بت أعرف فى كل يوم عمق ما فيه أنا من شقاء وقحط عاطفة لأكثر ما أحتاجها منه .
لم يتغير أبى , ولم تتغير حالتى , كنت أمنى نفسى بزوج يُخرجنى من مملكة أبى السجنية , ولكن أبى فرض على أن أبقى بجوار والدتى , أزيد أساها , فى كل حين , وأغرق أنا فى غربتى الممتدة كعهد .
بنت جيراننا التى كانت تلبس مرولتها عند حضورها من المدرسة صارت طبيبة الآن , أخبرتنى بسر عظيم , قالت لى :- الرجل هو من يهب للحياة الذكر أو الأنثى من بعد الله , الأم ليس بيدها شئ , كله بكروموسومات الرجل , تتعهد الأم بالرعاية داخل رحمها , الرعاية فقط .
لم أفهم من حديثها شيئاً , ولكن ما نمى إلى عقلى أن أبى هو من تسبب بالإتيان بى , فلماذا يكرهنى !!! هل سأقول له ذلك ؟؟؟؟ لا لن يفهمنى , بل سيجد طريقة يتخلص بها من وجودى فى عالمه , هو برئ فى وجودى , أو كما يظن , والدتى هى السبب , كما يفهم الرجال , الرجال جميعهم .