الخميس، 30 ديسمبر، 2010

تاجر الرؤوس

هذا الرأس يشبهني تماماً.. من أين أتيت به؟؟!!
:- لا لا هذا الرأس أهداني له صديق نتيجة لعمل خاص قمت له به..
:- هل تسمح لي برؤيته من الداخل أشعر به وكأنه رأسي.
:- لا يمكن لك أن تراه أتيت إلى هنا لأبيعه مقفلاً إن كان من يشتريه محظوظاً سيجد به نفعاً وإن كان غير موفقاً شاء له أن يضعه مع التحف الموجودة عنده..
:- بربك ليس معي نقود دعني أرى ما بداخله.
:- هذا آخر ما سأسمح به.. في مسيرتي التي استمرت عشرون عاماً لم يطلب مني شخص أن ينظر في رأس من الداخل خصوصاً إن كان غير محنطاً.. هذا الرأس تم ذبح صاحبه بالأمس.. وتم فصل الرأس عن الجثة هذا الصباح بعد آداء الصلوات في الكنيسة.. آثرت الرحيل من وجه ذاك التاجر البشع.. بائع الرؤوس وذهبت في إتجاه منزلي..
نزلت مني دمعة حارقة وتصاعدت ضربات قلبي.. لا يشبهني الرأس في تفاصيله.. إحساس فقط بأن ما بداخله من أفكار يخصني من أين أتى هذا الإحساس.. أليس من الممكن أن يكون كاذباً.. عليَّ أن اقتنع بأنه ليس رأسي..
ولكن من الذي يبيع رأسي وأنا أمشي الآن.. يا له من وغد..
بكم باع رأسي.. ليتني أعرف.. أريد أن أعرف.. من الذي يدلني على سعري.. أحفظ في مخيلتي الإنجيل والتوراة والملحمة اليونانية.. وكل كتب روما وما خطه عظماء اليونان.. احتفظ في ذاكرتي بقوانين الفلك وعلم الجبر وبعض الطب.. بكم يكون كل هذا؟؟!!!
هل أسير أنا بلا رأس الآن!! أتحسسه.. أراه موجوداً.. ربما هذا ليس لي.. هل تم استئصاله وإبدالي برأس آخر.. أخشى ما أخشاه أن يكون رأسي قد تم إبداله برأس إسكافيّ أو قاطع طرق.. حينها لن يكون لي شأن في مدينتي.. ويحتقرني الناس وأنا أخيط أحذيتهم الفاخرة.
آآآآآآآآآآآآه رأسي سينفجر بحثاً عن أجوبة..
عند باب بيتي وجدت بعض قطرات الدم .. إذا هذه حقيقة.. لم يدخل بيتي غير زوجتي.. هل تكون فعلتها تلك المشئومة.. أثق في أنها هي من فعلتها.. فدائماً ما أصحو من نومي وهي تتحسس رأسي وتبتسم.. لم تكن تلك الابتسامة غير إبطان لحقيقة حقدها عليّ.. لنيتها بيعي في سوق الرؤوس.. ترى أين هي الآن؟ هل ذهبت للتبضع بثمن بيع رأسي؟..أناديها فلا أسمع إجابة.. إذا ذهبت للسوق أتمنى أن تأتي لي بهدية من ثمن بيع رأسي.. هههههه ما حدث يدعوني للضحك أيضاً..
لدي سن من الذهب أتمنى أن لا تكون في رأسي الثاني دعوني أنظر في المرآة علني أجدها..
ما هذا ؟؟!!!
اختفت تلك السن الذهبية.. إذا تأكدت من بيع رأسي يجب عليَّ أن أذهب إلى ذلك التاجر فأشتري منه رأسي..
بسرعة جنونية نحو السوق ويدي فوق رأسي.. خفت أن يقع من على الرأس الذي معي فأكون مداناً برأس آخر.. من أين لي بثمن رأس آخر؟
ها هو التاجر يجلس في ذاك المطعم.. لا يوجد رأس معه..
:- أين رأسي ؟؟؟؟
:- أمجنون أنت؟! رأسك فوق كتفيك..
ينهال جميع من بالمطعم ضحكاً..
:- لا قبل ساعة تركت معك رأسي وذهبت للبيت.. وقلت لك أن تريني الرأس الذي معك وأنت رفضت..
ضحكات أخرى من الجالسين بالمطعم..
:- اسمعني جيداً أنا لا أبيع رؤوساً.. أبيع النبيذ.. وأشتري العنب.. إن أردت نبيذاً فانتظرني حتى أعود في بداية الأسبوع القادم..
صرخت في وجهه.. لا أنت تبيع رأسي أنت تاجر الرؤوس نفسه.. صمت الحاضرون عن الضحك.. لم أرى غير همسات جانبية..
إرتعد بائع الرؤوس وأخذني بعيداً عن المطعم.. وفي زاوية مظلمة أوقفني قائلاً :- :- أنا تاجر الرؤوس فعلاً.. بعت نصف ما بمدينتى من الرؤوس.. لم يتبق لي غير القليل منها.. وأظن أن رأسك أيضاً قد بعته.. أنت لا تعلم شيئاً ولا غيرك يعلم شيئاً.. أبيع ما به من علم للأغنياء.. الأغنياء يذبحون الفقراء والخدم والعمال لأبدل لهم رؤوسهم.. وإن كنت مصراً على أخذ رأسك فدعني أذبحك لأخذ رأسي وأعيد لك رأسك الذي تحتاجه.. ولكن اعلم أن هذه العملية ستكلفك أموالاً طائلة..
:- لا عليك أدخر بعض المال ولكن رجاء أعد لي رأسي أحتاجه كثيراً..
:-سأعيده لك.. قابلني غداً في الكنيسة المهجورة تلك.. وسآتي بقصاب يذبحك..
:- حسناً سأقابلك.
تحسست رأسي عند المساء أملا في العثور على شئ يعجبنى فيه.. أرى فيه بعض الشيب.. بل كله قد شاب.. لم أكن هكذا يوماً.. أريد أن أعرف صاحب هذا الرأس.. لأشكره فقد وهبني حياة ما كنت لأعيشها بعد فقد رأسي الحقيقي..
ذهبت للكنيسة باكراً وجدت أشخاصاً كُثر كل منهم يتحسس رأس الآخر يثمنه.. بعضهم يُساوم والبعض الآخر يبيع على عجل.. لم يهتم بي شخص.. ولا حتى التاجر نفسه فقد كان مشغولاً برؤوس أخرى.. أهيَ مهمة أكثر مني أم ماذا؟؟؟!!!
قررت فى لحظة جنون أن أشتري ذلك الرأس.. رأس تاجر الرؤوس..
قلت له :- بكم تبيعني رأسك ؟
:- بألف جنيه..
:- هل أسددها لك على أقساط ؟؟
:- لا ادفع المبلغ كاملاً وسيذبحني القصاب في هذه اللحظة..
:- إذا اشتريت..
سمعته يُنادي القصاب :-
:- تعال واذبحني..
:- لم يتردد القصاب في ذبحه.. بعد أن ابتعدنا قليلا في تلك الغرفة المملوءة بالدم.. وبعض الطقوس الغريبة.. لم أشأ رؤية رجل يُذبح.. فقدت الوعي للحظة.. بعدها خرجنا أنا وهو والقصاب..
ولكن بعدها رآني التاجر نفسه وقد صرت أنا بائعاً للرؤوس.. أشتري ما بها لأبيعها.. أصبح التاجر هو من تُصيبه حيرته.. عدت كما أردت العيش.. تاجراً للرؤوس.