الاثنين، 28 نوفمبر، 2011

ثلاجة المشرحة





الطقس بارد جداً هنا اكاد اتجمد اعتقد ان درجة الحرارة تقل عن الصفر بأربعين درجة مئوية لاحظت ذلك عندما حاولت ان ارفع يدي ولو قليلاً لأمسح وجهي وأتحسسه كانت يدي جافة جداً وكأنها صُنعت من الخشب إذ سمعت لها نقيراً وهي تتحسس وجهي الكئيب ، المكان مظلم جداً هنا وكأنني في بطن حوت أزرق داخل البحر وليس بإمكاني سواء حاولت النظر أم لا أن أري ما هم حولي فقط بين الفينة والأخري أستمع لصوت جلبة في الخارج وأصوات صناديق تُفتح وأخري تُغلق ، الطقس مناسب جداً للنوم إذ لا أحد يصرخ في وجهك فقط صوت الصناديق والذي أصبح طبيعياً بمرور الوقت ، سمعت في هذه اللحظة صوت الباب يغلق وكأن الحارس قد أتم يوم عمله الشاق ، لم أره في الحقيقة ولكن لابد انه من النوع الشجاع ، ذلك الذي يدخل علي عدد غير قليل من الموتي المحنطين والجثث المكتنزة في المكان .
توقفت عن التفكير مسافة لأتأكد أن الحارس قد ذهب وبعدها يمكن لي أن أناقش مواضيعي الخاصة مع صديقي المتوفي حديثاً كان آخر ما أتي به الحارس ورفيقه ، يبدو أنه في مقتبل العمر لأن الأموات كبار السن لا أحد يهتم لأمرهم ولا يود ورثتهم الجشعون معرفةلأي سبب ماتوا حتي لو وُجد مقتولاً بطلق ناري .
حاولت ان ارفع يدي ولكن درجة الحرارة المنخفضة هي عائقي الوحيد ، حاولت أن أنادي صديقي الذي بجانبي بصوت منخفض فلم يرد علي ورفعت صوتي أكثر ولم يهتم ، هذه المرة صرخت ولا مجيب ، صرخاتي لم تتعدي في قوتها الصندوق الذي اتمدد فيه أيقنت بوفاة من هو بجانبي فالأموات عادة لا يسمعون صرخاتنا مهماعلا صوتها ، أظن أن روحه الآن في الجنة ، أحسبه رجلاً صالحاً . او هكذا أتمني .
هنالك الكثير من الصناديق ، لابد وأنها تتعدي المئة صندوق نعم لم أرها ولكني مؤمن بإعتقاداتي وسوف تكرم صادقة ولو هذه المرة فقط .
إذا سوف أنادي علي الجميع وأصرخ فيهم عل أحدهم يستجيب وتثرثر سوياً وسنكون أصدقاء في مقبل العمر ، أحتاج صديقاً يكون برفقتي أثق به ويثق بي . ولكن بماذا أدعوهم ؟ لو قلت لهم أيها الأموات لا أظن أنها فكرة سديدة ،الأموات كما قلت لا يسمعون ، إذاً اقول لهم أيها الأحياء وإن كان فيهم احد لا يزال علي قيد الحياة فلا شك سيجبني هذا لو لم يعتقد في قرارة نفسه إنه في عداد الأموات الآن وتنتظره جنازة مشرفة له ولعائلته .
اصرخ فيهم أيها الاحياء ولا مجيب رددتها مرة ومرتان وثلاث وعشر مرات ولا مجيب ، أيها الأموات ولا مجيب رددتها مرة ومرتان وعشر مرات ، يبدو أنهم جميعاً أموات وحدي من يجلس بينهم وهو علي قيد الحياةيا له من موقف مخيف ، اصرخ بالأسماء ، الاسمء جميعها ولا أحد يجبني ، أحاول أن أتدحرج من مكاني ولو قيد أنملة والصندوق يأبي ذلك وأطرافي المتجمدة هي أكثر ماتساعد علي البقاء سلكناً وليس التحرك ولو شبراً واحداً يمكنني من رؤية العالم من حولي عالمي الجديد الذي لم أحبه ولو لبرهة ، الشئ الوحيد الجميل فيه هو أنك تستطيع أن تصرخ بملء فيك ولا أحد سيعترض عليه ، الأماكن السيئة ليست سيئة تماماً هكذا أعتقد .
تُري كم الساعة الان ؟ ليلاً ام نهاراً؟ أكيد أن لدي مواعيد في هذا اليوم ولن أستطع الإيفاء بها إن جلست هكذا مستسلماً لابد من فعل شئ .
سأناضل لرفع يدي ، آه إنها ملفوفة بقطعة ما ، وتراكم الثلج حولها جعلها أكثر تمنعاً من القيام بأشياء لأجلي ، ولكن لن أستسلم ها هي تتحرك ببطء شديد أظنها ستفعل شيئاً ما إن حاولت فيها أكثر ، نعم يمكنني ذلك ، أوه إنها فكرة جيدة للحياة ،أن أحرك يدي ، اوف ما هذه الضجة ؟ إنهم يحاولون إخراجي من هنا ، يا لحظي الجميل ، لو لم يقوموا بذلك لفعلته بنفسي ، الحياة وسط هؤلاء الأموات لا تُطاق .
آه بدأت استنشق بعض الهوء المتسرب عبر الفتحات غير الموصدة بعناية في هذا الصندوق الكئيب بدأ الثلج يذوب ، ربما بعد حين يخرجوني ليدركوا خطأهم ، خطأهم غير المغتفر ، كيف سمحوا لنفسهم بأن يضعوني هنا ؟ إنني حي ، لم أما بعد ولكن من يدرك ذلك ، أخشي أن الوقت قد فات علي ذلك ، آه ما هذا الصوت المزعج ؟ أتري هي سيارة إسعاف تحملني للطبيب مرة أخري ؟ ذلك الطبيب الغبي والذي شخص حالتي علي الفور بأنني قد مت ! سأقتل هذا الطبيب وسيدها في نفس الصندوق. الكئيب ومن ثم لن أتركبه فتحات ليدخله الهواء ، سأنتقم منه وستكون عبرة له ولغيره ، آه ما هذا الصراخ ؟ إنه صوت زوجتي ! أخشي ما أخشاه أن تكون هي أيضاً مصدقة لنبأ موتي ! توقفي عن البكاء يا عزيزتي ، توقفي وأنزعي عني هذا الغطاء إنني حي فقط أحتاج لشخص يتأكد من ذلك ، آه أصوات بكاء أخري ، وأخري، تبكي علي بشدة، يا إلهي .
بعد إنتطار ساعتين خلهم يهدأون والأصوات بدأت تخفت ، ماذا يقولون ؟ إستئجار حانوتي ؟ إنني حي أيها الأغبياء ، هم هو الحانوتي ومعه آخر أظنهم يحملوني لمثواي الآخير ، يا للكارثة !!! .
أه إنهم يرموني بقسوة علي الأرض ، الطقس حار جداً هنا ، ها هم يفتحون الصندوق ويرموني خارجاً ، يأخذان الصندوق ويهربان ،إنهم لصوص ولا علاقة لهم بعمل الحانوت ، سأخبر الشرطة بذلك وسينالون عقابهم بكل تأكيد .
آه آخيراً رجعت إلي الحياة ، فقط بفضل أناس أغبياء ، سأنزع هذا القماش الملفوف به جسدي وأذهب إلي بيتي سيفرحون كثيراً حين بروني علي قيد الحياة ، ولكني أنا عارٍ ولا يوجد ما أواري به سوءاتي ؟ لا يهم ، لا أحد سيهتم بما أرتديه أو لا أرتديه ، ما يهمهم أنني علي قيد الحياة ، ستكون هذه معجزة ، سيطلبون مني البركة وسأمنحها فقط لمن يدفع أكثر ولن أمنح بركاتي لفقير معدم ابداً .
ها هو بيتي إذاً إنهم يقيمون مأتم ، هذه هي اللحظة المناسبة لأفاجأهم بأنني حي ، سيغنون ويرقصون والبعض الآخر سيموت من أثر الصدمة .
ذهبت ناحيتهم في ثقة رغم جسدي العاري ، يا للهرب لم يهتم بي أحد ولا لمنظري ، ماذا جري لهؤلاء ؟ أقم أمامهم الآن ، أصرخ ، أخبرهم بأنني لم أمت ، أصرخ مرة وأخري ، لا أحد يهتم ، ماذا جري لهؤلاء الناس ؟ أذهب ناحية زوجتي التي اعتبرت نفسها أرملة أحاول أن ألفت إنتباهها ، هي الأخري لا تهتم ،النسوة جميعهن يُعددن مآثري ،حتي الصفات التي لم تكن في ابداً ، أصرخ ، أصرخ ، أبكي ، أتألم ، أجن ، أنسحب في هدوء ، ناحية الثلاجة ، ثلاجة حفظ الموتي ، في المشرحة ، أضع جثتي في سلام ، بعيداً عن دموعهم الكاذبة ، في مكان بارد ، يتكون الثلج من جديد، أتجمد .